قمة جدة.. برزخٌ بين محورين

23 يوليو 2022آخر تحديث : السبت 23 يوليو 2022 - 4:20 مساءً
عبدالعزيز غالب
مقالات
قمة جدة.. برزخٌ بين محورين

حرف بوست : مقالات

مهنا الحبيل

كان التعاطي مع زيارة الرئيس الأمريكي وحضوره قمة جدة الخليجية مختلفاً هذه المرة، ونستطيع أن نقول إن عهد جو بايدن جاء في ذروة رسائل التراجع الأمريكي في المنطقة، والتي وصلت لها بتدرج ولم تكن وليدة انتصار الديمقراطيين وإخراج ترامب من البيت الأبيض، وحين نقول إنهُ تراجع فلا يعني ذلك خروجاً كلياً من منطقة الخليج العربي، أو الشرق الأوسط، ولكنه تحولٌ من الحليف المركزي الشامل، إلى الحليف الأول الأبرز.

وبين المصطلحين فارقٌ كبير، فالمركزية الأمريكية العتيقة في الخليج العربي كانت قريبة جداً من حكومات المنطقة وأُسر الحكم فيها، منذ مغادرة بريطانيا، وإن بقيت علاقة خاصة مع لندن في المنامة ومسقط، لكن ذلك لم يُقلّص مساحة الأمريكيين، المهم أن واقع اليوم يقترب من الحليف الأول لا المركزي الشامل، التي تُضبط بوصلة علاقات المجلس الخليجي باتجاهاته.

وهي مساحة نسبية واسعة لا تتعارض مع ترجيح الأمن الأمريكي، كغطاء مصالح دولي قبل أي طرف، ولا دفء العلاقات المستمر مع أسر الحكم، لكن الثقة به تراجعت كثيراً، قبل الأزمة الخليجية وبعدها، وخاصة حين كانت أمريكا ترامب طرفاً في الخلاف الخطير بين دول المجلس أول اندلاع الصراع.

وشهدت هذه القمة رسائل اعتبرت ندية، خاصةً أنها شهدت سحب الأمريكيين عملياً كإدارة في البيت الأبيض ملف الشهيد جمال خاشقجي، ثم التعبير عن الموقف الرسمي الرافض لدعوات المثلية المكثفة، وشراكة السفارات الأمريكية في الخليج في ترويجها، الذي أقلق غالبية العواصم واستشعرت الحكومات فيها أن فتح الباب لها يستفز الضمير الشعبي بقوة، كما أن الرياض حرصت على إعادة تأكيد حضورها، كقوة إقليمية عربية تتعامل معها القوة الغربية الكبرى، في ظل وجود محور إيران ومركز تركيا الإقليمي الآخر.

والحصيلة هنا أن رسائل القمة والتصريحات الجانبية، لم تُعط ضمانات لمصلحة أمريكا كما كان يجري في كل حفلة صخب لمواجهة إيران، لا تُسفر إلا عن ضربة أمريكية صغيرة، مع زخم هائل تستفيد منه طهران وتل أبيب.

والتصريح الرسمي من أبوظبي برفض المشاركة في أي حرب عسكرية على إيران هو في هذا التطور، دون أن يؤدي ذلك إلى قطيعة مع الحليف الأمريكي، ولا حتى توتر شديد، فقد أصبحت الأطراف الخليجية تتفاوض مع طهران أيضاً، ومن ضمنهم الدولة المركزية وهي السعودية، التي انفتحت على غرفة بغداد وغيرها، وسؤالُ الذات الخليجية هنا هو: لماذا علينا أن نُقدم لواشنطن ما تطلب وهي تنتقي لخياراتها ما تريد، لماذا ندفع فواتير ضجيج حربية، ينتهي باتفاق غربي إيراني؟

وهو تغيّر لم يعد يخص مسقط ثم الدوحة، التي تتعامل بمراعاة دقيقة، مع إيران كدولة حدودية بحرية مجاورة، كان موقفها إيجابياً مع قطر في أزمة الخليج، فأضحت العلاقة ذات بعدٍ أمني استراتيجي، وكان لعمان قديماً تقدير خاص، في تجنب مصادمة معقل فارس التاريخي، الذي شهد حرباً مع العمانيين حيناً من الدهر.

ثم يضاف إلى ذلك الالتفاف الجاد نحو الشرق في موسكو وبكين، وأن مشارطة الغرب القديمة (معنا أو ضدنا) في عهد المعسكر الشيوعي لم تعد قائمة، وأن دول الخليج العربي تراقب باهتمام نتيجة خروج الروس من هذه المواجهة، وضجيج الحملة الأولى في حرب أوكرانيا تم احتواؤه، وأن الغرب سيتعامل مع اتفاق تسوية في النهاية.

إن من المؤسف أن هذه المساحة المهمة للابتعاد عن تصعيدات الغرب، لم تشمل عودة التعامل مع تركيا كطرف صديق، لا يحمل مشروعاً طائفياً خاصاً، ولا تنظيمات عثمانية تتبع له، وإنما ثقافة تاريخية تقارب الإسلام والمسلمين بما فيهم العرب، ضمن إطار الرسالة المحمدية، لكن علينا أن نعترف بأن ذلك التاريخ كان فيه إشكالات ضخمة بين العرب والتُرك.

ووقعت أنقرة الجديدة في أخطاء في استدعاء العثمانية الجديدة، كروح ولاء بين العرب نُشر في الإعلام الموازي القوي لها، كما ارتكب العرب تصعيداً خطيراً غير مبرر ضد تركيا، واليوم هناك عودة للتفاهم الذي نرجو أن يكون في مصلحة المنطقة وشعوبها، في الأمن الاستراتيجي وحتى الدفاع القيمي، وأن تُغطي مساحة البرزخ الجديد مصالح الشعوب في مناطق الصراع العربي الداخلية، وخاصة في اليمن، وتأمين الناس من نظام دمشق الإرهابي، على الأقل لإخراجهم من دوامة الحرب الأهلية، التي لن تمنح خبزاً ولا حرية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة