الشعر الجاهلي ومشاريع الحداثة العربية: قراءة في كتاب لوهب رومية

4 يوليو 2022آخر تحديث : الإثنين 4 يوليو 2022 - 10:47 مساءً
عبدالعزيز غالب
ثقافة وفنون
الشعر الجاهلي ومشاريع الحداثة العربية: قراءة في كتاب لوهب رومية

حرف بوست : القدس العربي / صالح الرزوق

يبدأ وهب رومية في كتابه «شعرنا القديم والنقد الجديد» من التشكيك بدعاوى الحداثة التي انهالت علينا دون مقدمات، ووظفت الأسطورة لتحميل الشعر العربي موضوعات من خارجه. وكان «يحدوها إيمان ساذج بكل شيء جديد مع نفور من كل شيء قديم» الأمر الذي جعلها تقوم على «مشاعر بغيضة بالزهو والخيلاء والإحساس بالأرستقراطية». لكن في رأيي لا يوجد مشروع موحد للحداثة العربية. ولا أعتقد أنها تحض على عزلة المثقف أو تعالي النخبة. وكان الاختباء وراء جدار اللغة هو الذي يبني جدارا وجوديا بين الإنسان وحياته. فالمعرفة لا تتطور دون تطوير أدوات التعبير عنها، وإن بالغت بعض الاتجاهات الحداثية بتفكيك العقل وتدميره، فقد حددت بعض الاتجاهات الكلاسيكية مكان إقامة الوجدان وحجرت عليه داخل مساحة ميتة ومعزولة من التاريخ. وقد توزع مشروع الحداثة العربية بين تفكير ليبرالي وضع حدا لوصاية العقل التاريخي على التعبير، وأساليب تؤمن بدور التفسير في إنتاج محاكاة لرؤيا وليس لوضع قائم. وعليه يمكن للأفكار الجديدة أن تكون ذات موقف سياسي معارض لدورة الواقع. بتعبير آخر مثلما يمكن أن يخدم الشيء الجديد الاتجاه الثوري، يمكنه خدمة التفكير السلفي.
إن خروج مجتمع الجزيرة العربية بعد القرن الخامس من الطور الأسطوري، كما لاحظ رومية، يعبر عن زحف للمشاعر مع تحول في المفاهيم، فقد «نصب كل شاعر من ذاته النرجسية إلهاً هادياً ومدافعاً». وربما وجد في ذاته القدرة على تمثيل بقية الأرباب الحارسة للفكر الغيبي. وهذا أول تمهيد لمخاض انتهى بصورة جديدة للإنسان الشامل – أو نائب وكيل إله احتكر سلطات كل الأرباب لنفسه، ولجهة غامضة ومجهولة. وفي هذه التصورات شعرية سوف تنتقل عبر نشاط الحديث والرواية والخطابة (المونولوجات الشعرية) إلى الشعر. وربما يجوز لنا أن ننظر للمدونة التي حلت محل الشعر كما لو أنها تصورات شعرية. وهنا لا بد من التذكير بثلاث ملاحظات.
أولا، لم يصلنا غير مقدار بسيط من الشعر العربي. والقسط الأوفر ضاع بسبب الإهمال أو المنع المتعمد، فالرقابة والحروب الثقافية موجودة في كل الأوقات.
ثانيا، نحن نعرف الشعر الرسمي المكتوب بلهجة عرب الشمال.
ثالثا، هذا يعني بالضرورة غياب الشعر الشعبي.
ويتبادر لذهني سؤال غريب. لماذا كان الشاعر الجاهلي يهيم على وجهه في الصحراء وبين كثبان الرمال ويعمى عن الحدود البحرية الطويلة، التي تحاصر اليابسة من الغرب والجنوب. ومهما كانت الغايات والأهداف فهي بالنتيجة تقتطع جزءا مهما من الحقيقة الروحية لعرب العصر الجاهلي، وتدمر البنية المتكاملة لثقافتهم الدينية وما يوازيها من نشاط أسطوري محلي أو منقول. وإذا كانت الحمولة النباتية flora والحيوانية fauna علامة سيميوطيقية، كما يقول رومية مع الجاحظ، هذا يعني أن نصف الحقيقة محجوب عن أنظارنا، فالشعر الجاهلي يقتصر على اليابسة، ولا يشير إلى الأسماك والحيتان والمراكب والبحارة والغواصين. وتوجب علينا أن ننتظر الكاتب المجهول مؤلف «ألف ليلة» لنسمع عن عجائب المحيطات، بالإضافة إلى المشرع الذي لم يترك شيئا في حياة العرب المادية إلا وأغلقه بأوامر إلهية صارمة تتدخل في طريقة طهي الطعام وتقديمه. وفرض عليه ذلك تغطية الحلال والحرام في الصيد، سواء على اليابسة أو في الفضاء والماء، وبهذه الطريقة اغتنت المخيلة العربية بعجائب وسيمياء المخلوقات.

إن التفكير الأسطوري شيء والاستفادة من الحساسية الشعرية للأسطورة شيء آخر. وقد انطوى الشعر الجاهلي على عدة اتجاهات أسطورية، إن كان بعضها يدل على نفحة إيمانية أو تفكير ديني، عكس بعضها الآخر موقفا اغترابيا من مفاجآت الواقع، وما يتخلله من مصادفات وعجائب وبقايا أنظمة متخلفة تسخر الشعوذة والسحر والكهانة المزيفة. وأنا مع رومية، أن التفسير الأسطوري وحده مضلل ويساعد على تراكم أوهام غير مقصودة. ولا يمكن أن تجزم أن الشاعر الجاهلي وظّف الأسطورة كما فعل أودن في «درع أسخيلوس» أو سكوت ماينار في «جلجامش وقصائد أخرى» أو فيليب تيرمان في قصائد مجموعته «هذه آياتنا» التي بناها بشكل أثر على أثر، (والتعبير للروسي فلاديمير شاروف) فقد اختار أن تكون قصائده مثل حاشية على أسفار التوراة. وهذه أيضا هي الحيلة الفنية التي تبناها البولوني جيسلاف ميوش في عمله المتأخر «الفضاء الثاني» وتناول فيه قضايا إيمانية عميقة ذات علاقة بمعنى الندم المسيحي، وذلك دعا رومية للإشارة إلى ضرورة «قراءة مفهوم القصيدة الجاهلية وليس ملاحظة أغراضها». فتتابع الأغراض «يعتدي على وحدة منظور كل قصيدة ويحولها إلى لحظات منفصلة» ويحرمها من مضمونها التاريخي ومن الأسباب الموجبة. وبمعرفة هذه الأسباب «يمكن الانتقال من الكلام الظاهر إلى المعنى المستتر والرمزي أو المعادل الموضوعي» (كما يقول حرفيا).
إن التعبير الفني والجمالي المقصود وغير المقصود له أسباب وجدانية تتبدل بين عصر وآخر. وهذا وحده يكفي للتركيز على السياق التاريخي والبيئي لكل تركيب. فالليل مصدر للهم والابتلاء عند امرئ القيس، غير أنه أداة مساعدة للتهدئة والتثبيت عند الشنفرى والمتلمس، وهذا دليل على «الصفة الذاتية للشعر العربي» وإن كان المديح يغلف الذات بقليل من التواضع والحياء فهي تحتل كل الساحة في قصائد التباهي والتفاخر، حتى إن الشاعر يعمى عن غيره ولا يكاد يرى في العالم سوى نفسه. بمعنى أنه يتحول لذات متضخمة ونرجسية. ويحدد الدكتور رومية صفات هذه الذات بأنها تتصف بالنفي والهدم والتدمير، وأنها غامضة وتؤمن باستخدام القوة، ولذلك لا تحقق نفسها إلا بواسطة البطش. ومن هنا تفشت في الشعر الجاهلي صور المعارك والخيل والسيوف.
وقد نشأ الحس المأساوي عند العرب، كما يرى رومية، من تغليب حياة المخاطر على حياة الدعة والهدوء، وحتمية الانكسار أمام الموت وسلطان الطبيعة القاهر. وهذا هو السبب الحقيقي في دموية الشاعر الجاهلي وفي الدخول لموضوعه من باب البكاء على المكان الدارس، وبين المخاطرة والبكاء على الأطلال يوجد درب مشاق، والقانون الوحيد الذي يتحكم به، كما ذكر رومية، هو الحركة. وكل رموز الشعر الجاهلي «متحركة وأهمها الشمس والقمر والنوق» وحتى الماضي الميت يثير موقف ندم ونوستالجيا، تتخلله مونولوجات تثير تيارا مستمرا من الحزن والوقائع العجيبة. فالوقفة على الأطلال نافذة للمقارنة ببن الحاضر والماضي، ودعوة للبحث عن المجهول الذي يقول عنه رومية إنه «المعرفة التي لا تتأتى دون معاناة أو تجارب» وبلا خوض في سيول من الدم وبحر من الرمال. وهكذا يتردد الشاعر الجاهلي على قوس عريض من التأملات الديكارتية، ويجملها رومية في: الهوية والانتماء، ودراما الحياة والموت أو مشكلة الخلود. وقد اختار البدو قبل الإسلام مبدأ الصراع لتحقيق أسمى غاية للإنسان، أو الاستسلام للرغبات. ويعكس ذلك تجاهلا تاما للحياة الثانية، فهي ظلام وسكون أو عدم، والغريب في هذا المضمار أن الشاعر الجاهلي لم يفهم لغز الموت، ولم يتصالح معه. وكان مثل كل أنواع الأنتلجنسيا لا يفهم الواقع إلا بالتجربة أو التكهن. وكلاهما لم يقدم له أي تصور وظيفي عن حياة مستقرة ومسكن دائم. وكذلك الحال بالنسبة للظواهر الفضائية فقد كان يتعاقب عليها الأضداد، النور والظلام، وكانت تحتلها رموز التشاؤم – الغراب، ورموز الغدر والقتل – سباع الطيور (الكواسر). ويفتح هذا البند نافذة جانبية على علاقات صراع مستمر تقلل الفرص بحياة طويلة. وتوجد عدة مناسبات ينشب فيها الصراع بين كائنات فضائية كالعقبان وكائنات أرضية كالثعالب، وكأن ذلك انعكاسا لحقيقة مؤلمة وهي التوزيع الهرمي للمخلوقات. وهو قانون يحكم علاقة العشائر وأبناء العشيرة الواحدة أيضا. وهذا مبدأ من المبادئ الاجتماعية الذي تفرعت عنه عدة مبادئ حكمت حياة العرب ومهدت للرسالة التي ستعاني من عدة انقطاعات وصراعات، سوف تعزل المبدأ الاستراتيجي عن أهداف مرحلية يسميها رومية في خاتمة كتابه باسم: «الذات المقنعة».

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة